ابن قتيبة الدينوري
109
تأويل مشكل القرآن
ومثله قول الشاعر « 1 » : يتقارضون إذا التقوا في موطن * نظرا يزيل مواطئ الأقدام أي ينظر بعضهم إلى بعض نظرا شديدا بالعداوة والبغضاء ، يزيل الأقدام عن مواطئها . فتفهّم قول اللّه عزّ وجل : وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ أي يقاربون أن يفعلوا ذلك ، ولم يفعلوا . وتفهّم قول الشاعر : ( نظرا يزيل ) ولم يقل : يكاد يزيل ، لأنه نواها في نفسه . وكذلك قول اللّه عزّ وجل : تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ( 90 ) [ مريم : 90 ] إعظاما لقولهم . وقوله جل وعزّ : وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ [ إبراهيم : 46 ] . إكبارا لمكرهم . وقرأها بعضهم : وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ [ إبراهيم : 46 ] . وأكثر ما في القرآن من مثل هذا فإنه يأتي بكاد ، فما لم يأت بكاد ففيه إضمارها ، كقوله : وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [ الأحزاب : 10 ] ، وأي كادت من شدّة الخوف تبلغ الحلوق : . وقد يجوز أن يكون أراد : أنها ترجف من شدّة الفزع وتجف ويتصل وجيفها « 2 » بالحلوق ، فكأنها بلغت الحلوق بالوجيب . وهم يصفون القلوب بالخفقان ، والنّزو عند المخافة والذّعر . قال الشاعر في وصف مفازة تنزو من مخافتها قلوب الأدلّاء « 3 » : كأنّ قلوب أدلّائها * معلّقة بقرون الظّباء وهذا مثل قوله امرئ القيس « 4 » :
--> ( 1 ) البيت من الكامل ، وهو بلا نسبة في لسان العرب ( قرض ) ، ( زلق ) ، وتاج العروس ( قرض ) ، ( زلق ) ، وتهذيب اللغة 8 / 342 ، 432 ، ومقاييس اللغة 3 / 21 ، وتفسير غريب القرآن ص 482 ، وكتاب الصناعتين ص 281 ، والبيان والتبيين 1 / 11 ، وتفسير القرطبي 2 / 256 ، وتفسير البحر المحيط 2 / 317 . ( 2 ) الوجيف : الاضطراب والخفق . ( 3 ) البيت من المتقارب ، وهو للمرار الفقعسي في تأويل مختلف الحديث ص 448 ، والحماسة البصرية 2 / 362 ، وبلا نسبة في أمالي المرتضى 2 / 9 ، وأساس البلاغة ( عفر ) . ( 4 ) يروى صدر البيت بلفظ :